ابن عجيبة
497
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : كل من دخل بحر التوحيد علما - وهو فرعون برؤية نفسه - ، ولم يصحب من يغيبه عنها غرق في بحر الزندقة والدعوى ، فإن رجع إلى الإيمان بعد معاينة الهلاك بسيف الشريعة قيل له : الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ؟ فإن تاب حقيقة رجى له النجاة ، وإن قتل كان آية ونكالا لمن خلفه . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكّر بني إسرائيل بما أنعم عليهم ، فقال : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 93 ] وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 93 ) قلت : ( مبوّأ ) : ظرف بمعنى منزل يقول الحق جل جلاله : وَلَقَدْ بَوَّأْنا أي : أنزلنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ أي : منزل صدق ، أي : منزلا صالحا مرضيا يصدق فيه ظن قاصده وساكنه ، فما ظن فيه من الكمالات وجدها صدقا وحقا ، والمراد به : الشام وقراها ، وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ من اللذائذ ، وكانوا متفقين على دينهم ، وعلى ظهور دين الإسلام ، فَمَا اخْتَلَفُوا في أمر دينهم حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ ؛ بأن قرؤوا التوراة وعلموا أحكامها ، ثم طغوا وعصوا ، أو في أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم إلا من بعد ما علموا صدقه بنعوته وتظاهر معجزاته ، إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ، فيميز المحقّ من المبطل بالإنجاء والإهلاك . الإشارة : قد يمد اللّه عباده بأنواع النعم ، ثم يبعث لهم من يذكرهم بأيام اللّه ، ويعرفهم به ، فإذا اختلفوا عليه ظهر الشاكر من غيره ، فيغير عليهم تلك النعم ، فيوصل إليه أهل التصديق والاستماع والاتباع ، ويبعد أهل الإنكار والابتداع . وبالله التوفيق . ثم أمر بالسؤال لأهل العلم لمن وقعت له شبهة ، فقال : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 94 إلى 95 ] فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ( 94 ) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 95 )